محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
77
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
البارحة بجوارنا من المنكرات كيت . . وكيت « 1 » ، وظهر من ذلك الرجل استغراب أن يكون هذا ، فقال : يا هذا كأنك تريد أن لا يعصى اللّه تعالى في مملكته ! ! من أحبّ أن لا يعصى اللّه في مملكته فقد أحب أن لا تظهر مغفرته وأن لا تكون شفاعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وكم من مذنب كثرت إساءته ومخالفته وجبت له الرحمة من ربّه ، فكان له راحما بقدر إيمانه وإن عصى عالما ! ! انتهى . فلا ينبغي للعبد أن يستعظم ذنبه استعظاما يؤديه إلى أن يلقي بيديه إياسا من روحه ، وقنوطا من رحمته ، وسوء ظن به ، بل عليه أن يتوب إلى ربّه منه ، ويرجع إليه عنه ، ويعلم حكمة اللّه تعالى في تسليطه عليه وتخليته بينه وبينه ، وفي الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلى اللّه تعالى بين مؤمن وبين ذنب أبدا » فنبهك اللّه بهذا على أن الذنب مانع من وجود العجب الذي هو أعظم حجاب بين العبد وبين مولاه ، لأن صاحبه ناظر إلى نفسه ، لا إلى ربه ، مستعظم لطاعته وعبادته ، ملاحظ لذلك ، وساكن إليه ، بخلاف ذلك الذنب ، لأنه يوجب له الخوف والحذر والملجأ إلى اللّه تعالى والفرار إليه عن نفسه ، والعجب يصرف العبد عن اللّه تعالى ، والذنب يصرفه إليه ، والعجب يقبل به على ربّه ، والعجب يؤديه إلى الاستغناء والذنب يؤديه إلى الافتقار ، وأحبّ أوصاف العبد إلى اللّه عز وجل افتقاره إلى مولاه ، وأشرف أحوال المؤمن ما يردّه إليه ، ويقبل به عليه . لا صغيرة إذا قابلك عدله ، ولا كبيرة إذا واجهك فضله . إذا ظهرت الصفات العليّة بطلت أعمال العاملين ؛ فإذا ظهرت صفة العدل على من أبغضه ومقته بطلت حسناته وعادت صغائره كبائر ، وإذا ظهر وصف الكرم والفضل على من أحبّه اضمحلت سيئاته ورجعت كبائره صغائر . قال يحيى بن معاذ ، رضي اللّه تعالى عنه : « إن وضع عليهم عدله لم تبق لهم حسنة ، وإن نالهم فضله لم تبق لهم سيئة » . ومن دعائه ، رضي اللّه عنه : « إلهي . . إن أحببتني غفرت سيئاتي . . وإن مقتّني لم تقبل حسناتي . . » . وما أحسن قول سيدي أبي الحسن الشاذلي ، رضي اللّه تعالى عنه ، في دعائه ومناجاته : « . . واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت ، فالإحسان لا ينفع مع البغض منك ، والإساءة لا تضر مع الحب منك » .
--> ( 1 ) كيت وكيت : يكنى بهما عن الحديث والخبر ، ولا تستعملان إلا مكررتين بالعطف أو بدونه .